السيد هاشم البحراني

62

البرهان في تفسير القرآن

أن تعزلوا الأطفال عن الأمهات في أسفل الجبل في طريق الأودية ، وتوقفوا النساء وكل المواشي جميعا عن أطفالها في سفح الجبل ، ويكون هذا كله قبل طلوع الشمس ، فإذا رأيتم ريحا صفراء أقبلت من المشرق ، فعجوا عجيجا ، الكبير منكم والصغير بالصراخ والبكاء ، والتضرع إلى الله ، والتوبة إليه والاستغفار له ، وارفعوا رؤوسكم إلى السماء ، وقولوا : ربنا ظلمنا أنفسنا وكذبنا نبيك وتبنا إليك من ذنوبنا ، وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين المعذبين ، فاقبل توبتنا وارحمنا يا أرحم الراحمين . ثم لا تملوا من البكاء والصراخ والتضرع إلى الله والتوبة إليه حتى تتوارى الشمس بالحجاب ، أو يكشف الله عنكم العذاب قبل ذلك . فأجمع رأي القوم جميعا على أن يفعلوا ما أشار به عليهم روبيل . فلما كان يوم الأربعاء الذي توقعوا فيه العذاب ، تنحى روبيل عن القرية حيث يسمع صراخهم ويرى العذاب إذا نزل ، فلما طلع الفجر يوم الأربعاء فعل قوم يونس ما أمرهم روبيل به ، فلما بزغت الشمس أقبلت ريح صفراء مظلمة مسرعة ، لها صرير وحفيف وهدير ، فلما رأوها عجوا جميعا بالصراخ والبكاء والتضرع إلى الله ، وتابوا إليه واستغفروه ، وصرخت الأطفال بأصواتها تطلب أمهاتها ، وعجت سخال « 1 » البهائم تطلب الثدي ، وعجت الانعام تطلب الرعي ، فلم يزالوا بذلك ويونس وتنوخا يسمعان ضجيجهم « 2 » وصراخهم ، ويدعوان الله بتغليظ العذاب عليهم ، وروبيل في موضعه يسمع صراخهم وعجيجهم ، ويرى ما نزل ، وهو يدعو الله بكشف العذاب عنهم . فلما أن زالت الشمس ، وفتحت أبواب السماء ، وسكن غضب الرب تعالى ، رحمهم الرحمن فاستجاب دعاءهم ، وقبل توبتهم ، وأقالهم عثرتهم ، وأوحى الله إلى إسرافيل ( عليه السلام ) : أن اهبط إلى قوم يونس ، فإنهم قد عجوا إلي بالبكاء والتضرع ، وتابوا إلي واستغفروني ، فرحمتهم وتبت عليهم ، وأنا الله التواب الرحيم ، أسرع إلى قبول توبة عبدي التائب من الذنوب ، وقد كان عبدي يونس ورسولي سألني نزول العذاب على قومه ، وقد أنزلته عليهم ، وأنا الله أحق من وفى بعهده ، وقد أنزلته عليهم ، ولم يكن اشترط يونس حين سألني أن انزل عليهم العذاب أن أهلكهم ، فاهبط إليهم فاصرف عنهم ما قد نزل بهم من عذابي . فقال إسرافيل : يا رب ، إن عذابك قد بلغ أكتافهم ، وكاد أن يهلكهم ، وما أراه إلا وقد نزل بساحتهم ، فإلى أين أصرفه ؟ فقال الله : كلا إني قد أمرت ملائكتي أن يصرفوه ، ولا ينزلوه عليهم حتى يأتيهم أمري فيهم وعزيمتي ، فاهبط - يا إسرافيل - عليهم ، واصرفه عنهم ، واضرب به إلى الجبال بناحية مفايض العيون ومجاري السيول في الجبال العاتية ، المستطيلة على الجبال ، فأذلها به ولينها حتى تصير ملتئمة « 3 » حديدا جامدا . فهبط إسرافيل عليهم فنشر أجنحته فاستاق بها ذلك العذاب ، حتى ضرب بها تلك الجبال التي أوحى الله إليه أن يصرفه إليها - قال أبو

--> ( 1 ) السخال : جمع سخلة ، ولد الغنم ذكرا كان أو أنثى . « الصحاح - سخل - 5 : 18728 » . ( 2 ) في « ط » : صيحتهم . ( 3 ) في المصدر : مليّنة .